السيد محمد باقر الداماد ( الميرداماد )

167

تقويم الايمان وشرحه كشف الحقائق للعلوي ( تعليقات النوري )

ففي حالة التعارض ، لا يمكن أن يكون قصد الشارع المقدّس ظاهر المتن بل باطنه الذي يكتنه معنى انطوى عليه ظاهره . ويمكننا الوصول إلى هذا المدلول الباطني باستخدام القواعد اللفظية والمعايير والأحكام العقلية القاطعة . أمّا ميرداماد فقد قضى سنين متمادية يدرس فيها ويدرّس آراء ابن سينا وأفكاره الفلسفية . وما شرحي تلميذيه مير سيّد أحمد العلوي والملّا صدرا الشيرازي على شفاء ابن سينا - وهما من أهمّ شروح هذا الكتاب وأعمقها - إلّا برهان قاطع على استيعاب ميرداماد الواعي لآراء ابن سينا وتعرّفه العميق والدقيق بها ، ودليل بارز على دوره الفعّال في نقلها إلى الأجيال التالية من الحكماء والفلاسفة ، فقد كان حقّا خبيرا بآراء ابن سينا ومعاييره الفلسفية . وقد استطاع ميرداماد بعد جهد جهيد بذله في دراسة آثار ابن سينا والبحث فيها أن يفيد من نقاط قوّتها ويزيل مواطن ضعفها ويوظّفها توظيفا علميا سليما . فمن أبرز نقاط ضعف الحكمة المشّائية التي سعى ميرداماد إلى تنحيتها ، يمكننا ذكر : نزعتها العقلانية البحتة التي لا تعر شأنا للمباني الذوقية والمعاني الإشراقية ؛ نكوصها عن تطبيق معاييرها الفلسفية مع موازين النصوص الدينية وفشلها في إيجاد حلّ للموائمة والانسجام بينهما . 2 . الحكمة الإشراقية لقد راجت - كما قدّمنا - فلسفة ابن سينا رواجا كبيرا بعده ، وتغلغلت في أغوار نفوس الحكماء وأشياعهم ، وحلقت في سماء عقولهم وخيمت على آفاق فكرهم بشكل أضحت معه حتمية وقطعية وجزمية فلسفته المشّائية حجابا حال دون عيون طلّاب الحكمة وبصائرهم رؤية أنوار حقائق تلقي الضوء على مرام أبعد مما توصلت إليه حكمته المشّائية وأهداف تسمو على ما توصلت إليه تلك الحكمة . فقد وقفت وانحصرت مسائل العلماء المسلمين الفلسفية طوال القرون التي سيطرت فيها الفلسفة المشّائية على عقولهم سيطرة كاملة ومطلقة ، في مجادلات المتكلّمين فقط وقد وقعت في منازعات الفلاسفة والمتفلسفين لا غير . وكأنّ أفكار الشيخ الرئيس قد تربعت على عرش العصمة المكين وتحصنت بحصنها الحصين ، وباتت كالوحي المنزل على الأنبياء والرسل وأمست كالنصوص الدينية والمتون المقدّسة لا تقبل التخطيئ أو التصحيح ولا تسمح بالتشكيك ، فهي مبرأة من كلّ عيب وخالية من كلّ ضعف ولا يعتريها أىّ فتور . نعم هكذا تحكمت الفلسفة المشّائية برقاب العلماء المسلمين وأخذت بزمام عقولهم وألبابهم إلى أن سنحت الفرصة وأتيح الأوان لظهور فارس مغوار في هذا الميدان ، فظهر عالم كبير نحرير استطاع أن يطوي بساط الجزميين طيّا أولئك الذين سدّوا الطريق على الفكر الواعي العالي وحالوا دون تدفّق حكمته العالية المتعالية ، ويأخذ بزمان الفلسفة الإسلامية ويمتطي